من الذي يهتم لديون العراق؟../ د.عزمي بشارة
09/05/2007 23:29
كأن عدوى الـ"عملية"، وأقصد ما يسمى عادة بعملية السلام، أو العملية السياسية قد انتقلت من فلسطين الى العراق. هنالك بشائر لعملية سياسية من النوع الذي يصبح هدفا قائما بذاته إذا لم يتوفر حل سياسي وانسدت الآفاق واشتدت وطأة الاحتلال والقمع والمعاناة. لم نعد ندري إذا كانت الوفود تتقاطر لتبحث شأن العراق، أم يستغل العراق لبحث علاقات ثنائية من نوع آخر على هامش المؤتمرات. وما "هامش" المؤتمرات من هذا النوع إلا مركزها في الواقع.
استقبالات يعقبها افتتاح وخطابات ثم اجتماعات. ثمة مسلسل قد انطلق، ويتضمن مؤتمراً أولاً وثانياً وثالثاً، وتساؤلات وتوقعات وتوترات تنتج وتخرج صحفيا من نوع احتمال لقاء وزيرة الخارجية الأميركية مع وزراء من حكومات دول تحب أميركا أن تسميها "راعية للإرهاب" على "هامش" المؤتمر، وقضايا أخرى لا تنتهي ويعتاش منها الخبر في مرحلة عزت فيها الأخبار السياسية الفعلية عن العراق ذاته.
وفي النهاية حديث وقرارت عن شطب ديون للعراق. ولا أحد يذكر أن للعراق أصلا اقتصاد وأنه مدين، هل تعمل بالفعل في العراق بنوك دائنة ومدينة وميزانية دولة وعجز تجاري. ولنفترض أن العراق مدين ولن يدفع ديونه، ماذا تراهم فاعلين؟ هل سوف يحاصرون العراق ويفرضون عليه العقوبات أم سوف يحتلون العراق مثلا؟ يقول المثل العامي المحكي في بلدنا "أكثر من القرد ما مسخ الله"، فماذا لدى العراق ليخسره لو جن جنون أحدهم على ديونه وليس على دمائه. يكاد المرء يجن أن هنالك من جلس وبحث وبحث وبحث، فلم يجد سوى مشكلة ديون العراق لينجح في حلها. أي عراق وأي ديون؟
لقد غرق العراق بالدم والفساد والسرقة والنهب والقتل والسطو والمطامع الصغيرة والكبيرة واستغلال الطوائف مطايا للتحشيد والتنافس بين أشخاص بلا ضمائر، فيختتم مؤتمر أعماله متحدثا عن الديون، وليس هنالك من يعرف الفرق بين الفساد والديون، والعجز المالي والسرقة، والاستبداد والاحتلال، والإرهاب والمقاومة…أي عراق وأي ديون؟
هؤلاء الذين جعلوا العراق الغني الأبي فعلا يشحذ ويتسول، هؤلاء الذين جعلوا أبناء العراق وعلماء العراق يتشتتون في أصقاع الأرض كلها حفاظا على حياتهم، هؤلاء الذي لم يتمكنوا بعد سنوات على سقوط بغداد من إيصال النفط الى محطات الوقود في العراق نفسه، هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى الآن تشغيل مولدات تكفي حاجة العراق من الكهرباء يتحدثون عن شطب وإعادة جدولة ديون العراق.. أي عراق وأي ديون؟
وفوق كل ذلك يستغل العراق كحلبة تحسين أرصدة إقليمية في مواجهة المشروع الأميركي أو تحسين المواقع في إطار نفس المشروع، أو غير ذلك. المهم أن العراق الممزق المتشظي النازف ليس هو الموضوع.
لقد افتتحت عملية جديدة توهم بتنبي توصيات سياسية من نوع توصيات بيكر هاملتون، ولكن تنفيذها يخرج إخراجا كما تخرج المؤتمرات ويجهز لها. وكما يخرج نقد الفساد إخراجا يتكرر الحديث الممل عن الإصلاح والشفافية والمحاسبة مثل لازمة، فيما يمارس الفساد بكل شفافية. وفيما يسفك الدم دون أن يفهمنا أحد من مؤيدي تلك الحرب في حينه الملوحين بالحرب ضد إيران حاليا عن السبب في أنهم لم يفقدوا القدرة على الكلام، ولماذا لم تلتصق ألسنتهم في حلوقهم ولماذا لم يجف الحبر في أقلامهم بعد ان جفت حتى الدموع في مآقي أطفال العراق.
وكأننا أمام "عملية" جديدة، عملية سلام سوف تتكرر حلقات اجتماعاتها ومؤتمراتها، وسوف يتكرر اهتمام الصحافة بكل اتصال يليها ويعد للمؤتمر المقبل. نقول ذلك لأن الولايات المتحدة بحاجة لعملية ومبعوثين ومؤتمرات حين ترسل عشرات آلاف الجنود إلى العراق ليصبوا الزيت على نار تلك الجحيم.
هنالك طبعا منطق في محاورة دول الجوار بشأن العراق. ولكن الحوار الحالي بين الولابات المتحدة ودول الجوار يتلخص في محاولة الأولى جرهم نحو موقف من المقاومة العراقية أقرب إلى موقف الاحتلال، وإلى موقف من الحكومة المركزية يؤدي إلى تسهيل شؤونها وتمكينها من العمل.
أما من ناحية هذه الدول فيتلخص الحوار بمقايضة هذا الموقف المرغوب أميركيا مع قضاياها المعلقة وهمومها هي مع الولايات المتحدة. هذه سياسة، وبهذا المعنى فإن "العملية السياسية" الجارية بشأن العراق لا تشمل كلمة السياسة بمعناها المختلف والمتميز عن "العمليات الحربية"، أي "عملية سياسية" بدل الحرب، بل السياسة بمعناها الأصلي المتلخص بالعمل على أساس مصالح الدول والحكومات. ولذلك حال انتهاء المؤتمر سمع فورا عن تنفيذ الولايات المتحدة نيتها بإضافة آلاف الجنود في العراق، أما صدى التفجيرات فزلزل المنطقة كلها.
ولا تتناقض خطوة من نوع زيادة عدد الجنود مع نقد هاملتون وبيكر وضباط استمع اليهما الأخيران على سياسة رامسفيلد. فقد انتقد رامسفيلد منذ بداية الغزو على الغرور الكامن في احتلال العراق بهذا العدد القليل من الجنود تطبيقا لنظرية عدم استغلال كل طاقات الجيش الأميركي في حرب واحدة، وتمكين أميركا من شن حروب أخرى إذا لزم. كان رامسفيلد مقتنعا أن أميركا بعدتها وعديديها سوف تكون مضطرة لخوض عدة حروب في نفس الوقت، وأن عليه ان يثبت إمكانية ذلك في أي حرب،


















